محمد بن أحمد الفاسي

151

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

عبد الملك ، قدم حاجّا في سنة ست ومائة ، فتظلّم إليه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللّه التيمي ، الذي يقال له أسد الحجاز ، من عبد الملك بن مروان ، في دار آل علقمة ، التي بين الصفا والمروة . وكان لآل طلحة شئ منها ، فأخذه نافع بن علقمة الكناني ، وهو خال مروان بن الحكم ، وكان عاملا لعبد الملك بن مروان على مكة ، فلم ينصفهم عبد الملك من نافع بن علقمة ، فقال له هشام : « ألم تكن ذكرت ذلك لأمير المؤمنين عبد الملك ؟ ! » قال : « بلى ، فترك الحق ، وهو يعرفه ! » قال : « فما صنع الوليد ؟ » قال : « اتّبع أثر أبيه ، وقال ما قال القوم الظالمون : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] قال : « فما فعل فيها سليمان ؟ » قال : « لا قفى ولا سيرى ! » قال : « فما فعل فيها عمر بن عبد العزيز ؟ » قال : « ردها ، يرحمه اللّه » قال : فاستشاط هشام غضبا ، وكان إذا غضب بدت حولته ، ودخلت عينه في حجاجه ، ثم أقبل عليه ، فقال : « أما واللّه أيها الشيخ ! لو كان فيك مضرب لأحسنت أدبك » . قال إبراهيم : « فهو واللّه فىّ في الدين والحسب ! لا يبعدنّ الحقّ وأهله ، ليكوننّ هذا نجث بعد اليوم » انتهى . وقال الزبير : حدثنا عيسى بن سعيد بن زادان ، قال : كان معاذ بن عبيد اللّه بن معمر ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيمي وأمه كثرة بنت مالك بن عبيد اللّه بن عثمان بن عبيد اللّه بن معمر ، وأمها صفية بنت عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، يختصم هو ونافع بن علقمة في مال بتهامة ، فطالت فيه خصومتهما ، فاختصما عند يحيى بن الحكم ، وهو يومئذ والى مكة ، قال نافع : أنا ابن كذا وكذا ، فقال معاذ : أنا ابن قنونا والأحسبة ، فقال نافع : أنا ابن قنونا والأحسبة . فقال معاذ : الحمد للّه رد الحق إلى أهله ، الآن أصبت ، أنا ابن كذا وكذا . قال : لا أنت ، ثم قال : ثم إن معاذا اجتمع هو ونافع عند عبد الملك في خصومتهما ، فقال عبد الملك : قد طالت خصومتكما ، وأنا جاعل بينكما رجلين من قريش ، ينظران بينكما . قال نافع : قد رضيت بفلان ، فقال معاذ : واللّه لقد اضطربت في البلاد أنا وقومي نطلب الخيار ، فأخطأناه ، حتى أعطانا اللّه عز وجل ، ونحن له كارهون ، فاختر من اختار اللّه عز وجل أنت يا أمير المؤمنين ، فنظر بينهما عبد الملك ثم قضى بينهما ، واجتهد الحق . انتهى باختصار . وذكر الفاكهي الخبر الأول ، وذكر ما يقتضى أن نافع بن علقمة ولى مكة لعبد الملك ابن مروان ، وابنه هشام ، لأنه قال : وكان ممن ولى مكة ، نافع بن علقمة الكناني - وهو خال مروان بن الحكم - لعبد الملك بن مروان ، ثم لابنه هشام بعده . انتهى .